آراء ومقالات

نكران الواقع !!

غزة - هلا الاخبارية

غزة – هلا الاخبارية

بقلم: عزام توفيق أبو السعود

انقطعت عن الكتابة أسابيع ثلاثة، شعرت خلالها بأن هناك شيء افتقده بشدة، لدي رغبة في ان أكتب، وهناك مواضيع كثيرة بنت الساعة تستحق أن أكتب عنها، لكن الرغبة دوما تموت حين أجلس أمام الحاسوب لأبدأ بالكتابة، وكأنه مغناطيسا أقف عند قطبه المعاكس، ينفر من الكتابة… رغم أن الأحداث التي حصلت في المنطقة تحفز على الكتابة، والأشخاص الذين قابلتهم وتحدثت اليهم، وخاصة وأنا في القاهرة أحضر اجتماع مجلس أمناء مؤسسة ياسر عرفات، وما سبقها وتلاها من لقاءات مع شخصيات سياسية وفكرية فلسطينية وعربية ودولية حضروا هذا الإجتماع، عن قصص كثيرة طريفة سمعتها، أو تحليلات سياسية واقتصادية واجتماعية جادة تناقشنا بها، كل ذلك لم يوعز الى دماغي بفكرة ينقلها هذا الدماغ الى أطراف الأصابع التي تحرك مفاتيح جهاز الكمبيوتر لتخرج كلمات وجمل وفقرات تشكل مقالا جديدا، أو فصلا في رواية جديدة أكتبها، أو قصة تراثية مقدسية اضيفها الى مجموعة أقاصيصي عن القدس وتاريخها الشفوي.

لكن جلسة مع شاب عائد من امريكا بعد أن حصل على شهادة الماجستير في العلاقات الدولية أثار فيّ النهم للكتابة، لكتابة ما سمعته منه، ولعلي سأعيد صياغة بعض من أفكاره وتحليلاته في أكثر من مقال، ولعلي سأبدأ هنا بمتابعة مقال سابق لي كان بعنوان ” البحث عن وسيط جديد”.

أمريكا التي رأت في نفسها أنها القطب الأوحد في العالم الذي بيده الحل والربط، والتي زاد غرورها بنفسها في العهد الترامبي الذي يرى أن كل شيء يمكن أن يشترى ويباع- بما فيها الشعوب والأوطان- ضمن صفقات مالية، رأت أخيرا أن تؤجل اعلان صفقة العصر لعام أو عامين.. وقد رأينا – متأخرين جدا- أنها ليست وسيطا مناسبا لأنها منحازة الى اسرائيل! وعليه، علينا أن نبحث عن وسيط آخر: فهل نبحث عنه في الدول المستقرة ( الأوروبية وكندا واستراليا ؟ أم نبحث عنه في الدول المتمددة ( روسيا العائدة بقوة للقطبية الثنائية ؟ أم نبحث عنه في الدول المتنامية ( الصين والهند ؟ أم نبحث عنه في الدول الطموحة ( تركيا وايران مثلا ؟ أم نبحث عنه في الدول التابعة (معظم الدول العربية والافريقية؟ أو الدول النامية (البرازيل مثلا؟

وكيف يمكن أن يكون بحثنا؟ هل نبحث عنها في الدول ذات الحضارات العريقة القديمة (الصين والهند وبلاد فارس وبلاد الفراعنة والاغريق والرومان) ؟ أم ذات الحضارات الوسيطة التي حافظت على ما سبقها من حضارة ( العراق وبلاد الشام)؟ أم الحضارات متوسطة العمر ( أوروبا وروسيا) أم الحضارات المستحدثة والمستوردة ( أمريكا وكندا واستراليا)؟

هل نبحث عنها في الدول ذات الاقتصاد المتين (أمريكا وألمانيا وفرنسا وانجلترا وسويسرا) أم نبحث عنها في الدول ذات الاقتصاد المتعاظم ( الصين) ؟ هل نبحث عنها في الدول المنتجة أم الدول المستهلكة؟ في دول مصادر الخامات أم الدول الصناعية ؟

وأصلا هل نحن نبحث عن وسيط أم أن بحثنا يجب أن يتم عن حليف؟ حليف واحد أم حلفاء متعددون؟ وكيف نصنع الحلفاء ؟ كيف نستقطبهم ليتحالفوا معنا في ظل عالم يؤمن بالمصالح أكثر من ايمانه بالقيم والأخلاق والحق والعدل؟ .. هل نستقطبهم بالدين في عصر باتت فيه القيم الدينية مستهجنة؟ والنواهي والأوامر الدينية لجميع الأديان غير مطبقة!!

لقد غيرت الأساليب الأمريكية الملتوية كثيرا من المفاهيم لدينا ولدى شعوب الأرض، ووجهتنا لأن نعادي من أرادت لنا أن نعاديه، وأن نصادق من أرادت لنا أن نصادقه، مغيرة بذلك مفاهيمنا الدينية والعقائدية. لقد أفهمونا أن الشيوعية هي مذهب الإلحاد، لكن المذاهب الاشتراكية هي التي حققت عدالة اجتماعية أكثر مما حققته الرأسمالية، أو العلمانية الأمريكية! والأديان السماوية قامت ركائزها على تحقيق العدالة الإجتماعية. جعلونا نعادي ايران لأنها دولة شيعية، مع العلم أن ايران كانت دولة مسلمة شيعية في عهد شاهات ايران المتعاقبين، الذين صادقهم الأمريكان والإنجليز، وكانوا أصدقائنا أيضا، وفي بداية حكم الملالي في ايران، كان هؤلاء أصدقاء للغرب كما كنا نحن أصدقاء للغرب!

كانوا منذ عدة قرون يعلموننا أن المذاهب الدينية خمسة، حيث أضفنا المذهب الجعفري الى المذاهب السنية الأربعة الأخرى.. والآن هم يريدوننا أن نعادي ايران!؟ لماذا ؟ ونحن نعرف أن في ايران ديمقراطية أفضل بكثير من أنظمتنا العربية!! أرادونا أن نطبع علاقاتنا مع اسرائيل كي نحارب ايران !! أي منطق أعوج تمكنوا من خلاله من اقناعنا بأن الخطر الايراني علينا أكبر من الخطر الصهيوني؟

نحن رأينا في أكثر من مرة، كيف قادونا الى حروب مع بعضنا، خلقوا نزاعات بيننا وذكوا الفتنة بيننا كي نتقاتل، أو نتصارع، بالكلام أحيانا وبالسلاح في معظم الأحيان، وأشعلوا روح الكراهية بين بعضنا البعض، لم نتعلم من الدروس السابقة أن أيديهم ولمساتهم موجودة في كل حرب بين دولة عربية وأخرى، وفي كل صراع داخلي أدى ويؤدي الى دمارنا.ورغم ذلك لا زلنا نؤمن بأن لديهم الحل والربط، وأنهم سادة العالم ونحن يجب أن نكون الخاضعين لإرادتهم والمنفذين لرغباتهم، وأن علينا أن ندفع لهم الخاوات بالمال أو بالمواقف أو بالطاعة العمياء والقبول بالإملاءات التي يملونها علينا!!! ثم نراهم يطعنوننا من الخلف كما في قضية الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل!!

رأيناهم يعقدون تحالفات وقتية مع بعض منا، وعندما يستنفدون غرضهم من هذا التحالف يحولون هذا الحليف الى عدو، ويتخلصون منه بقتله، كما فعلوا مع ابن لادن ومع صدام حسين! لكننا لا زلنا نثق بهم وندعمهم بالمال وبالمواقف!

كيف يهيمنون على عقولنا؟ كيف ننقاد اليهم ونقنع أنفسنا بأنهم حماة عروشنا وكراسينا، وهم يتندرون في مجالسهم الخاصة بأننا بلعنا الطُعم الذي وضعوه لنا!!! جعلونا نضع كل بيضنا في سلة واحدة موجودة لديهم! ألا يجعلنا ذلك نخاف منهم أكثر، ونحاول الاحتياط لأنفسنا بالبحث عن حلفاء آخرين يجعلوا من تحالفنا معهم قوة مكتسبة للخروج عن إرادتهم أو نجعلهم أكثر توازنا، ويجعلونا أقل عرضة من أن نطعن من الخلف!!

على العرب إعادة حساياتهم، أن يبحثوا عن حلفاء، أن يرتبطوا بمصالحهم مع أقوياء آخرين، فنحن يجب أن نعيد تقييم واقعنا، أن ننكر واقنا للبحث استراتيجيا عن مستقبل في العلاقات الدولية من منظار نقاط قوتنا، لا من منظار نقاط ضعفنا.. ولا حول ولا قوة الا بالله!

جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي وكالة هلا الاخبارية
الوسوم

التعليقات

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock