الأخبار الفلسطينية

70 عامًا على النكبة: أبريل الأسود 1948 (9)

غزة - هلا الاخبارية

غزة – هلا الاخبارية

قصة أيّام غيرت وجه التاريخ

حتى شهر آذار/ مارس من عام 1948، كان العرب الفلسطينيون يأملون بالنصر على المشروع الصهيوني، فالمقاومة الشعبية كانت شديدة، واستطاع العرب عزل مستعمرات ومناطق يقطنها اليهود ويتمركزون فيها، عن باقي المدن والمستوطنات، وذلك بواسطة الهجوم على القوافل المحملة بالمؤن والسلاح، ومنعها من الوصول إلى أهدافها.

كانت بريطانيا قد أعلنت عن نيتها إنهاء الانتداب في منتصف أيار/ مايو من العام نفسه، وأمل الفلسطينيين كان كبيرا، بسبب اعتقادهم أن الجيوش العربية النظامية، التي ستدخل البلاد بعد هذا التاريخ، أي تاريخ نهاية الانتداب، ستقوم بمنع إقامة الوطن القومي اليهودي، وستصد العصابات الصهيونية بل وتنتصر عليها، وبذلك تهيء الظروف للحرية والاستقلال المنشودين.

أما وضع العصابات الصهيونية فأصبح يزداد سوءا تحت وطأة المقاومة الفلسطينية الباسلة، والمتطوعين العرب، وكان ينقصهم ، أي العصابات الصهيونية، السلاح الكافي من أجل استمرار الحرب، ليس هذا فقط، فحتى على الصعيد الدبلوماسي العالمي، كان الصهاينة يواجهون المشاكل، حيث أن بعض الدول التي أيدت قرار التقسيم، صارت ترى أنه حل لا يمكن تنفيذه على الأرض، بسبب الرفض العربي له. إحدى هذه الدول كانت كولمبيا، وحتى الولايات المتحدة الأميركية، صارت تفكر مليا بالتراجع عن تأييدها لقرار التقسيم، وبذلك أصبح الاستعمار الصهيوني في مأزق شامل، أو هكذا اعتقد العرب.

الصهاينة يعدون العدة للهجوم على العرب

صار بن غوريون، الزعيم الصهيوني والمسؤول عن الحرب، يضغط من أجل حلول عاجلة تقلب الوضع رأسا على عقب بسرعة، خوفا من انسحاب بريطانيا المعلن، قبل أن يتزود بالأسلحة المطلوبة، واستعمل كامل قوته وعلاقاته من أجل إنجاح صفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية (التشيكية) في شهر شباط/ فبراير عام 1948، والتي اشتملت على رزمة كبيرة من الأسلحة الخفيفة والثقيلة على حد سواء، منها خمسين طائرة على الأقل.

ويجدر بِنَا الذكر أن الصفقة الأصلية كانت قد تمت في منتصف كانون الثاني/ يناير، ولكن سيطرة الحزب الشيوعي على الحكم في تشيكوسلوفاكيا، كانت ستقضي عليها، أي الصفقة، ولكن بن غوريون، استعان بأعضاء الحزب الشيوعي في فلسطين لمساعدته في إقناع القيادة التشيكوسلوفاكية بإتمام الصفقة، حيث أن الاتحاد السوفييتي، أيضا، كان معنيا بالتأثير على مجريات الأمور في فلسطين.

وفي ذلك الوقت أيضا، كان بن غوريون، وقيادات “الهاغاناه” والاستيطان الصهيوني، يعدون الخطط من أجل الهجوم على العرب، وطردهم من قراهم ومدنهم بشكل مكثف، وهدم بيوتهم بحيث لا يمكنهم العودة، وإقامة الدولة العربية بالحدود التي نص عليها قرار التقسيم المشؤوم.

كان نقصا في السلاح، بسبب كثرة الجند، فقد كانوا يعدون العشرات من الآلاف، فجنود “الهاغاناه”، في ذلك الوقت، كانوا أكثر من خمسين ألفا وأكثر من خمسة آلاف من قواتها الضاربة “البلماح”، وأكثر من عشرين ألفا من العصابات الصهيونية الأخرى كـ”الأرغون” وغيرها. هذه القوات كانت تحتاج الكثير من الأسلحة من أجل تنفيذ مخططاتها العدوانية “على أتم وجه”، كما أراد بن غوريون.

بينما العرب، والذين كانوا يشكلون ما عدده ثمانية آلاف من المقاتلين، منهم خمسة آلاف من المتطوعين وثلاثة آلاف مجاهد فلسطيني، لديهم أسلحة لا تكفي إلا من أجل الغارات التي كانوا يشنونها على القوافل الصهيونية، وتحقيق الانتصارات الصغيرة هُنَا وهناك، غير مدركين أن الصهاينة يحكمون الخطط ويعدون العدة، وفِي نفس الوقت يختبرون جدية الدول العربية في إرسال جنودها، بعد خروج بريطانيا من فلسطين، والتي كانت بدورها، تهيء الظروف من أجل انتصار المشروع الصهيوني، بواسطة الضغط على العرب بعدم التدخل حتى تنهي انتدابها لفلسطين، وتعمد في الوقت نفسه إلى غض النظر عن صفقات الأسلحة الصهيونية وتحضيراتهم للهجوم المرتقب، بل وتسليمهم معسكرات جيش تتركها بأسلحتها الكاملة أحيانا لاستعمالها في الحرب ضد العرب.

وصول الأسلحة وانطلاق حملة “نحشون”

خصصت الحكومة التشيكوسلوفاكية مطار “بازاتش” من أجل استعماله لتدريب طيارين صهاينة على قيادة طائرات “مصريشميط”، التي زودتهم بها، وفِي الأول من نيسان/ أبريل 1948، انطلقت الرحلة الأولى من هذا المطار متوجهة إلى فلسطين بما يسمى حملة “حسيدا”، وكانت طائرة نقل من نوع “داغلس سي 54، سكاي ماستر” المستأجرة من شركة أميركية، وكانت هذه الطائرة محملة بالرزمة الأولى من الأسلحة، والتي شملت ما عدا الطائرات نفسها، على مئتي بندقية “ماوزر” التشيكية، وأربعين مدفعا رشاشا من نوع “ماغلد”، وأكثر من مئة وخمسين ألفا من الذخيرة الحية.

ما يجدر ذكره هنا، أن الطائرة المذكورة، كانت هي الأولى من قافلة جوية حملت اسم “حملة بلاك”، حيث أن هذه الطائرة أعطيت اسم “بلاك وان”. حملة “بلاك” هذه استمرت حتى بعد منتصف الصيف، ناقلة أسلحة جمة كانت كفيلة بتغيير موازين القوى إلى آخر الحرب.

في بداية نيسان/ أبريل، وصلت إلى ميناء تل أبيب سفينة باسم “نورا”، وأحضرت معها 4300 بندقية ومئتي مدفع رشاش.

كانت هذه الأسلحة كافية من أجل انطلاق الخطة الصهيونية للهجوم على القرى والمدن الفلسطينية واحتلالها بعد طرد سكانها منها، فكانت انطلاقة هذا “المشروع” بالحملة الأولى وأطلق عليها حملة “نحشون”، وكانت تقضي بوجوب “التخلص” من القرى العربية المجاورة لمدينة القدس، والتي انطلقت منها المقاومة المجيدة التي تقطع الطريق بين القدس وتل أبيب، وبذلك تمنع وصول الإمدادات إلى الحي اليهودي في المدينة.

حملة نحشون واحتلال القسطل

في الناحية الغربية للطريق بين يافا والقدس، انطلقت قوة من وحدة “غفعاتي” من كيبوتس “خولدا”، في الليلة بين الرابع والخامس من نيسان/ أبريل، وهاجمت بالمدفعية مقر حسن سلامة وهو قائد المنطقة الغربية لجيش الجهاد المقدس، بقيادة عبد القادر الحسيني. هذا الهجوم أدى إلى استشهاد العشرات من العرب، ومن ثم هاجمت القوة القرية العربية “خلدة”، الواقعة على بعد 12 كيلومترا جنوب الرملة، وفي الليلة التالية احتلت القوة من حملة “نحشون” القرى العربية: خلدة وسيدون ودير محيسن وشيخ موسى. في الليلة بين السادس والسابع من نيسان/ أبريل، حاول العرب استرداد قرية محيسن وكانت معركة شديدة، ولكن العرب لم ينجحوا في استرداد القرية، ولكن بريطانيا طالبت “الهاغاناه”، بتسليم القرية حتى انسحاب قواتها من فلسطين في منتصف أيار/ مايو، وكان لها ذلك، وهي من جهتها حافظت على حراسة الطريق من أجل القوافل اليهودية بين القدس وتل أبيب.

الجزء الآخر من حملة “نحشون” كان يهدف إلى السيطرة على قرية القسطل، صاحبة الموقع الإستراتيجي المطل على طريق القدس يافا من الناحية الشرقية، ولذلك وفي ليلة الثالث من نيسان/ أبريل، هاجمت قوة من “البلماح”، بقيادة إلياهو سيلع، قرية القسطل. وصلت القوة إلى القرية عند الساعة الثالثة والربع صباحا، وابتدأت بقصف شديد لجميع أنحاء القرية، مما أرعب اَهلها وأدى إلى هروبهم منها، ولذلك استطاعت القوة الصهيونية دخول القرية دون مقاومة تقريبا.

بعد دخولها القرية، سلمت قوات “البلماح”، القيادة لقوة “عتصيوني”، والتي تمركزت في القرية وأحكمت دفاعاتها تحسبًا لهجوم عربي مضاد، كانوا يعرفون جيدا أنه سيأتي حتما، لأن القائد عبد القادر الحسيني، لن يقبل بسيطرة اليهود على الطريق إلى القدس، وبذلك يقضوا على أحلامه بتحرير الحي اليهودي في القدس، وإخضاعه لسيطرة القوات العربية الفلسطينية.

القاوقجي والهجوم على “مشمار هعيمك”

كما ذكرت في الحلقة الخامسة عن سقوط المالكية، بأن قيادة جيش الانقاذ كانت قد أوكلت للضابط في الجيش السوري فوزي القاوقجي، والذي قرر أن تستهدف أولى معاركه الكبيرة كيبوتس “مشمار هعيمك” الواقع بين حيفا وجنين، ويبعد 26 كيلومترا إلى الجنوب الشرقي من حيفا، وهذا الكيبوتس يقع على طريق المسمى وادي المَلَك (نسبة إلى الوادي الذي يعتبر التقاء لوادي القسطل الذي ينبع من صفورية ووادي الخلادية الذي يمر من أراضيها، ويصب وادي الملك في نهر المقطع والذي يَصب بدوره في خليج حيفا)، وكان هذا الطريق منفذا للقوافل التي تحمل الذخائر والمؤن إلى حيفا.

كان هدف هذا الهجوم، حسب وجهة النظر السائدة، هو تخفيف الضغط عن الأحياء العربية في حيفا، وتحقيق انتصار على اليهود، يكفل للقاوقجي أن يستمر في معاركه القادمة بقوة أكبر، نتيجة لالتحاق متطوعين جدد، يؤمنون بتحقيق النصر.

هناك من يدعي أن القاوقجي هاجم “مشمار هعيمك” من أجل إلهاء “الهاغاناه” في معركة كبيرة في الشمال تمنعهم من إرسال قوات داعمة إضافية لحملة “نحشون”، وهذا ما ينفيه كثر، بل وحسب المصادر الصهيونية، فإن القاوقجي كان قد قابل، بشكل سري، يهوشع فلمون، والذي كان ضابطا في مخابرات “الهاغاناه” (المسماة “شين يود”)، من أجل أن يطلب من القاوقجي عدم مساعدة عبد القادر الحسيني في معارك القدس، ومعارك حسن سلامة في يافا، حيث كان يعرف ان علاقة القاوقجي بالحسيني لم تكن جيدة، وأن القاوقجي كان يعتبر حسن سلامة قاطعا للطريق.

القاوقجي نفسه، يقول في مذكراته أن أحد أسباب هذه المعركة الكبيرة، التي أعد لها أكثر من 1500 جندي، كانت بهدف فحص الدفاعات الصهيونية في المستوطنات الكبيرة، وصمودها أمام هجوم كبير مثل هذا، واختار لهذا الهدف كيبوتس “مشمار هعيمك”، القريب من موقع تمركز قواته في قرية المنسي من قضاء جنين.

شارك في الحملة فوج القادسية بقيادة الضابط العراقي صالح مهدي، وفوج اليرموك بقيادة الضابط السوري محمد صفا، وسرية من فوج حطين تحت قيادة القاوقجي نفسه، وفصائل مسلحة فلسطينية بقيادة الفحماوي علي فارس محاميد. وكان بحوزة هذه القوات مدافع فرنسية الصنع عيار 75 مليمترا وراجمات هاون عيار 81، وعشر مدرعات.

ابتدأ الهجوم في تمام الساعة الرابعة وخمسين دقيقة من بعد ظهر يوم الرابع من نيسان/ أبريل، بواسطة قصف مكثف على الكيبوتس أدى إلى مصرع العديد من المدافعين عنه، أي الكيبوتس. ثم تقدمت القوات العربية حتى حدود الكيبوتس، واشتبكت مع المدافعين عنه، حتى حلول الظلام.

معركة القسطل واستشهاد عبد القادر الحسيني

في الثالث من نيسان/ أبريل ظهرا، قام كمال عريقات، نائب عبد القادر الحسيني، بهجوم مضاد مع 100 مقاتل من جماعة الجهاد المقدس، ومئات من مجاهدي المنطقة. ابتدأ الهجوم في الساعة الثانية عشر ظهرا، واضطر جنود وحدة “عتصيوني” إلى الانسحاب إلى داخل القسطل بعد خسارتهم عدة مواقع دفاعية تحت وطأة النار الكثيفة للمناضلين العرب.

وفي اليوم التالي، لم يتجدد القتال، ولكن الهجوم العربي المضاد بقوة في يوم الخامس من نيسان/ أبريل، مكّن العرب من السيطرة على كل نقاط الدفاع اليهودية في ذلك اليوم واليوم الذي يليه.

وفي هذا الوقت، كان القائد عبد القادر الحسيني في دمشق من أجل محاولة إحضار سلاح لهجومه الذي كان يخطط له على الأحياء اليهودية في القدس وتحريرها، ولكنه لم ينجح في ذلك إذ أن اللجنة العسكرية العربية كانت تفضل تزويد جيش الانقاذ بالأسلحة الثقيلة، فما كان منه إلا أن عاد غاضبا بعد أن صاح في وجه مسؤول اللجنة، إسماعيل صفوت: “سأعود لأحرر القسطل بالأسلحة المتوفرة، فإما أن انتصر أو أسقط شهيدا”.

في السابع من نيسان/ أبريل، وصل عبد القادر الحسيني إلى مركز قيادته في بيرزيت، وَقاد الهجوم على القسطل، وبسبب قوة الهجوم صارت القوات الصهيونية تطلب النجدة من قوات “البلماح”، ولكن ذلك لم يسعفهم، إذ استطاع العرب أن يصلوا إلى مركز القرية، ووضع عبوات ناسفة كبيرة بجانب قيادة القوات الصهيونية في القرية، ولكن هذه العبوة لم تنفجر، فقرر الحسيني أن يذهب بنفسه ليفحص السبب وراء عدم انفجار العبوة، وكان معه نائبه كامل عريقات وشخص آخر، وعندما كانوا في وسط القرية، فاجأتهم قوة صهيونية ودارت معركة جرح فيها عبد القادر الحسيني ورفاقه الذين أمرهم بالرجوع من أجل إحضار النجدة.

انتشر خبر إصابة عبد القادر كالنار في الهشيم، وخلال ساعات تجمع أكثر من 1200 مناضل من المنطقة، وشنوا هجوما كاسحا شديدا عَلى القوات الصهيونية، وسرعان ما اقتحموا القرية، واستطاعوا قتل كل من حارب ضدهم، وانسحب الباقون، واستعاد العرب قرية القسطل، ولكنهم وجدوا جثة عبد القادر الحسيني، مما أدى إلى صدمة كبيرة جعلت القوات العربية تخرج من القسطل بعد تحريرها، بدل أن تبقى للمحافظة على مواقعها، بل كان باستطاعة هذه القوات أن تحرر أماكن أخرى في المنطقة لو استمر هجومها.

في اليوم التالي، كانت جنازة عبد القادر الحسيني المهيبة، حيث شارك فيها عشرات الآلاف، وفِي هذه الأثناء، هاجمت قوة من “البلماح” قرية القسطل، وبعد قصفها بالمدفعية والطائرات، تركها من تبقى من المقاتلين العرب، وفِي الساعة السادسة وعشرين دقيقة، دخلت قوات “البلماح” إلى القرية مجددا وقامت بتفجير كل بيوتها من أجل منع اَهلها من العودة.

كانت هذه هي المرة الأولى خلال الحرب، التي يستطيع الصهاينة فيها بالحفاظ على احتلال قرية من القرى العربية، وباحتلال قرية القسطل فتحت الطريق نهائيا بين تل ابيب والقدس، ولَم تعد تتعرض قوافل الأسلحة إلى نيران المقاومين، وبذلك تم نصر إستراتيجية للصهاينة على العرب.

مذبحة دير ياسين

في فجر التاسع من نيسان/ أبريل، وفي تمام الساعة الرابعة والربع، هاجمت قوات كبيرة من عصابات “الإيتسل” و”الليحي” قرية دير ياسين، الواقعة على بعد خمسة كيلومترات من القدس، وكان عدد سكان القرية في ذلك الوقت حوالي 700 نسمة فقط، ولَم يكن متواجدا فيها أكثر من ثمانين مسلحا عربيا من أهالي القرية، معهم أسلحة خفيفة من بنادق ومسدسات وعدة رشاشات، مع ذخيرة لا تكفي لساعة أو ساعتين.

ومن الجدير ذكره أن سكان هذه القرية لم يشاركوا حتى ذلك اليوم بأي معركة أو صراع مع المستوطنات اليهودية القريبة منها، بل وكان هناك اتفاق موقع بين مخاتير قرى هذه المنطقة مع المستوطنات والأحياء اليهودية بعدم اعتداء أي طرف على الآخر.

ابتدأ الهجوم بقصف مدفعي مكثف، كما واشتركت طائرة في قصف القرية، وكان الهدف من القصف هو ترويع أهالي القرية وجعلهم يهربون منها، ولكن ذلك لم يحدث، بل أن العكس هو ما حصل، إذ سطر أهالي القرية بطولات كبيرة في دفاعهم عن أرضهم وكرامتهم.

وظلوا يدافعون حتى نفذت منهم الذخيرة، وقتلوا من اليهود العشرات، واستطاع العصابات الصهيونية من حسم المعركة حوالي الساعة الثانية والنصف ظهرا، وهنا ابتدأت مذبحة رهيبة بالأطفال والنساء والشيوخ، حيث أن الرجال والشبان الذين شاركوا في القتال كانوا قد فروا من القرية.

قتل اليهود، وبدم بارد أكثر من 350 مواطنا، كلهم من النساء والشيوخ والأطفال، وهدموا الكثير من بيوت القرية. من بين القتلى كان هنالك ما لا يقل عن خمس وعشرين امرأة حامل، رموهن بالرصاص وهم ينتقلون من بيت إلى آخر.

ومن فظائعهم أنهم قتلوا شيوخا طاعنين في السن وألقوا بجثثهم من شرفة منزلهم، وكذلك قتلوا نساءهم، بل وأحفادهم إذا تواجدوا معهم، ولَم يسلم منهم كفيفي البصر، وحتى من كن يقدمن الإسعافات للجرحى. وفِي حالة معينة قتلوا رجلا في الستين من عمره وأرغموا الأسرى بأن يدوسوا على جثته، وعذبوا أسرى ومن ثم قتلوهم بدم بارد، وأرغموا نساء القرية على السير مشيا على الأقدام مكشوفات الرأس، حافيات الأقدام.

مشهد النساء المكشوفات الرؤوس وصل إلى القرى والمناطق الأخرى على أنهن عاريات تماما، إذ يعتقد الكثير من الفلسطينيين أن قوات “الإيتسل” و”الليحي”، وضعوا النساء عاريات على عربات الجند، وطافوا بهن في القرية وفِي أحياء القدس.

هذا المشهد الفظيع، مع كل الجرائم الفظيعة التي ارتكبت، أصبحت جزءا لا ينسى من الذاكرة الفلسطينية، ودب الرعب في قلوب أهالي فلسطين، فصاروا يرحلون عن منازلهم فور اقتراب الصهاينة بجنودهم إليها، وقد ساهم في ذلك النشر الذي كان في كافة الصحف والبيانات الرسمية، وذلك لفضح فظاعة الجرائم الوحشية، ولكن هذا أدى إلى فعل عكسي، وصار الناس يعتقدون أن مصيرهم لا محالة سيكون مصير أهل سكان قرية دير ياسين، مما كان له الأثر الأكبر في إجلاء الكثيرين عن قراهم ومدنهم.

الهزيمة في معركة “مشمار هعيمك”

تحت جنح ظلام ليل مرج ابن عامر، قدم عن طريق الحقول أكثر من 100 مقاتل صهيوني من “الهاغاناه”، إلى كيبوتس “مشمار هعيمك”، واستعدوا لمعركة اليوم التالي من أجل صدّ هجوم جيش الإنقاذ.

في اليوم التالي، الخامس من نيسان/ أبريل، تجدد الهجوم على كيبوتس “مشمار هعيمك”، وكثرة الإصابات في صفوف المدافعين وأعضاء الكيبوتس، ولكن كتيبة إنجليزية قدمت في ذات اليوم وطلبت من الطرفين الاتفاق على هدنة لمدة 24 ساعة، وافق عليها القاوقجي، واستغلها اليهود في نقل جرحاهم إلى المستشفيات، وكان ذلك عن طريق الخطوط العربية المحاصرة للكيبوتس، فيما يعد كبادرة إنسانية تنم عن النبل العربي، وفِي نفس الوقت، استطاعت القوة الصهيونية في “مشمار هعيمك”، في إقناع قيادة “الهاغاناه”، بأهمية هذه المعركة، فعُين يتسحاك سادي، قائدا للقوات الموجودة في المنطقة، وحضرت قوافل إمدادات عسكرية وغذائية إلى الكيبوتس، وحضر 50 عاملا من شركة “سوليل بونيه” (هي شركة بناء كانت تابعة للهستدروت الصهيونية) من أجل تحصين الكيبوتس.

وفِي نفس اليوم حضرت كتيبة من “البلماح”، وقوات من كتيبة “كرملي” وكتيبة “ألكسندروني”.

وهكذا أعد الصهاينة العدة لهجوم مضاد، والقاوقجي في غفلة من أمره، ولذلك رفضوا اقتراح الكتيبة البريطانية بتمديد الهدنة 24 ساعة أخرى، بينما ما زالت الصحف الفلسطينية تنشر بيانات كاذبة عن مجريات المعركة، بناء على بيانات القاوقجي التي كانت تشيد بانتصاراته وهدم الكيبوتس وتسويته بالأرض.

في الثامن من نيسان/ أبريل كان بدء الهجوم المضاد الذي شنته قوات “البلماح”، فسقطت روبية الفوقا بيديهم، وَصَدُّوا قوات القاوقجي عن الكيبوتس، فما كان منه إلا أن رد بهجوم مضاد كبير، واستمرت المعارك حتى ليل الحادي عشر من الشهر، حيث سقطت القرى أبو شوشة وأبو زريق بيد قوات “الهاغاناه”.

في اليوم التالي، اشتدت المعارك بعد أن قامت قوات جيش الإنقاذ، بواسطة قوة كبيرة، مستعينة بالمدفعية، كانت قد قدمت من قرية منسي، مركز قيادة جيش الإنقاذ، ولكن قوات “البلماح” نصبت لهم كمينا أدى الى وقوع خسائر فادحة بينهم، وبعد معركة كبيرة استمرت يومين آخرين، انسحب القاوقجي بجنوده من “مشمار هعيمك”، مدعيا أنه كان في مواجهة 15 ألف مقاتل من “الهاغاناه” و”البلماح”، وهو أكثر بكثير من جنوده.

انتهت المعارك في الرابع عشر من الشهر بانتصار صهيوني، قوّى معنوياتهم، وأضعف معنويات العرب، وفتح الطريق أمام سقوط باقي القرى في المنطقة وتهجيرها من سكانها، وأعطى الصهاينة الفرصة بتكثيف هجومهم على حيفا، لتسقط في الرابع والعشرين من نيسان/ أبريل، وكل القرى التي تفصل بين “مشمار هعيمك” وحيفا.

في الثامن عشر من نيسان / أبريل، سقطت طبرية أيضا في أيدي “الهاغاناه”، بعد معارك استمرت 11 يوما، وهذه كانت المدينة الأولى التي تسقط في حرب 1948، مما كان له الأثر في فتح الطريق لاحتلال الجليل الأعلى، ومحاصرة القرى العربية المحاذية للمدينة.

وهكذا استطاع الصهاينة تحقيق أكبر عدد من الانتصارات الإستراتيجية الهامة، قبل أن تعلن بريطانيا عن إنهاء انتدابها على فلسطين، وبذلك لن يكون للعرب أية فرصة في قلب الأمور رأسا على عقب، فعندما ستدخل جيوشهم إلى البلاد، لن يكون بمقدورهم أن يدحروا الدولة اليهودية التي أقيمت فعلا على أرض فلسطين.

المصدر عرب 48

الوسوم

التعليقات

إغلاق
إغلاق