شؤون إسرائيلية

النظرة الإسرائيلية للمصالحة الفلسطينية التي ستمنع الحرب

غزة - هلا الاخبارية

لقد شهدت الأسابيع الأخيرة الماضية حركة مد وجزر كبيرة بين تهدئة وتسوية يسعى لتحقيقها جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية بما في ذلك حماس و”إسرائيل” وبين تصعيد ونذير حرب يخشى منه أيضا جميع الأطراف في المنطقة.

على صعيد التسوية والتهدئة، فإن “إسرائيل” تعمدت المماطلة في تحقيقها والتوصل إليها، وذلك لعدة أسباب من أبرزها خوف وقلق المنظومة الأمنية الإسرائيلية من المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس التي تعتبر أمرًا ضروريًا وحتميًا لتحقيق التسوية.

فمنذ بدء المساعي لتحقيق المصالحة بين فتح وحماس عملت “إسرائيل” جاهدة لإفشالها خوفا من التداعيات الأمنية التي قد تترتب عليها بما في ذلك الخوف من تكرار تجربة تنظيم حزب الله في غزة، وما يتبع ذلك من تخلص حماس من تحمل مسؤولية القطاع والسكان والمواطنين والوضع الاقتصادي والاجتماعي، بالتزامن مع استمرارها في إحكام القبضة الأمنية على القطاع وتفرغها في تعزيز وتطوير جناحها العسكري الذي قد يرتقي إلى مستوى جيش نظامي بكل ما تحمله الكلمة من معنى إذا ما تحققت المصالحة وما يعقبها من توقيع اتفاق تهدئة طويل الأمد مع “إسرائيل”.

فكما هو معروف فإن تنظيم حزب الله اللبناني له قوته التي تتنامى وتتزايد يوما بعد يوم ونفوذه الممتد داخل الأراضي اللبنانية وخارجها، وذلك بالرغم من عدم تصدره للسلطة الحاكمة في لبنان، فمسؤولية المواطنين اللبنانيين لا تقع على عاتقه بل على عاتق الحكومة اللبنانية التي يقتصر على المشاركة المتواضعة  بها، وهذا ما أتاح للتنظيم الفرصة لاستثمار جميع مقوماته وموارده في الارتقاء بمستواه كتنظيم يضم عناصر وأفراد  وليس كدولة تضم مواطنين وسكان.

إلا أن التغيرات والتطورات الأخيرة التي شهدها قطاع غزة في الأشهر الثلاثة الماضية أدت إلى إحداث نقطة تحول في رؤية “إسرائيل” السياسية والأمنية، حيث أصبحت “إسرائيل” تنظر إلى المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس على أنها  مطلب ضروري  يخدم المصلحة الأمنية الإسرائيلية وليس على أنها  تهديد يضر بالمصلحة الأمنية الإسرائيلية.

فقد أصبحت المصالحة من وجهة نظر المنظومة الأمنية والسياسية الإسرائيلية وكذلك من وجهة نظر الدول الإقليمية والعالمية بما في ذلك مصر وأمريكا هي الطريق الأمثل لتجنيب “إسرائيل” ويلات حرب جديدة مع غزة ستدفع فيها “إسرائيل” ثمنًا باهظًا هي في غِنىً عن دفعه.

كما تدرك “إسرائيل” جيدًا أنها لن تنجح في تحقيق إنجازات ملموسة من المواجهة العسكرية الجديدة مع غزة، حيث إنها لن تحقق أكثر من استعادة الهدوء الأمني وتثبيته على حدود غزة، وهذا الهدف بمقدورها أن تحققه من خلال التسوية السياسية مع حماس التي لن تتم إلا بعد تحقيق المصالحة الفلسطينية، وذلك ما سيدفع “إسرائيل” لإعطاء الضوء الأخضر بل لإجبار السلطة الفلسطينية على التوقيع على اتفاق المصالحة والعودة لتصدر الحكم في قطاع غزة بدلا عن حماس التي ستبقى صاحبة السيادة الحقيقية على أراضي القطاع كما هو الحال مع تنظيم حزب الله في لبنان.

ونلاحظ ذلك أيضا من تراجع حدة النبرة الإسرائيلية أمام حماس، فـ”إسرائيل” لم تعد تطالب بنزع سلاح حماس كشرط مسبق لأي تسوية في غزة كما كان في الماضي، بل باتت المطالب الإسرائيلية تقتصر على إعادة الهدوء الأمني لحدود القطاع والإفراج عن جثامين الجنود والأسرى الذين بحوزة حماس، فضلاً عن أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد تعالت الأصوات الإسرائيلية خلال اليومين الأخيرين بما في ذلك تصريحات زعيمة المعارضة ليفني ووزير الطاقة شتاينتس التي تطالب بفصل ملف الأسرى عن ملف التسوية والتهدئة الطويلة مع حماس.

في ضوء إدراك المنظومة السياسية والأمنية الاسرائيلية أن التسوية السياسية هي المنفذ الوحيد لإطالة أمد الهدوء الأمني مع غزة لسنوات جديدة بدون الحاجة لخوض حرب جديدة مع غزة، وبما أن “إسرائيل” أصبحت ترفض إلى جانب كل من مصر وأمريكا بأن تتم التسوية إلا بعودة السلطة الفلسطينية لتصدر الحكم في غزة، وذلك لاعتبارات عديدة منها أن “إسرائيل” تأبى أن تظهر أمام جمهورها وأمام دول العالم وكأنها خنعت ورضخت أمام حماس، فإن قضية المصالحة الفلسطينية وما يعقبها من تسوية سياسية في غزة أصبحت قاب قوسين أو أدنى، وإن تخلل ذلك جولة أو جولتين من تبادل النيران الدقيقة والمدروسة بين حماس و”إسرائيل”.

لا شك أن “إسرائيل” لا زالت تخشى من المصالحة الفلسطينية خوفا من تكرار تجربة حزب الله في غزة، إلا أنها حُشِرت في الزاوية والخيارات أمامها أصبحت ضيقة، فقد أصبح أمام “إسرائيل” خياران لا ثالث لهما، فإما أن توافق على المصالحة وما يعقبها من تسوية بالرغم من خوفها من تكرار تجربة حزب الله في غزة، وإما الدخول في مواجهة عسكرية يدرك قادتها جيدًا بأنها لن تساهم في تحسين الموقف الإسرائيلي أمام حماس في غزة بالمقارنة مع الخسائر الفادحة التي ستتكبدها “إسرائيل” في مثل هذه المواجهة.

وعلى ما يبدو فإن “إسرائيل” ستختار الخيار الأول وهو التسوية المشروطة بالمصالحة الفلسطينية بالرغم من المخاطر المحفوفة في هذا الخيار عليها، حيث إن خيار التسوية سيسمح لإسرائيل أن تلعب على عامل الوقت وسيزيد مساحة المناورة التي تعمل بها “إسرائيل” ضد حماس، وإن كان ذلك سيؤدي إلى مضاعفة قوة حماس وتكرار نموذج حزب الله في غزة إلا أن هذا هو المنفذ الوحيد أمام “إسرائيل” لتجنب ويلات مواجهة عسكرية جديدة في غزة.

في نهاية المطاف، تنظر “إسرائيل” إلى المصالحة الفلسطينية على أنها تشكل ضررًا عليها، وفي نفس الوقت تنظر إلى المواجهة العسكرية على أنها تشكل ضررا أكبر عليها في الوقت الراهن.

وفي ضوء انعدام الخيارات أمام “إسرائيل” من التخلص من الضرر الأكبر المتمثل بالحرب إلا من خلال الضرر الأصغر المتمثل بالمصالحة الفلسطينية، فإن “إسرائيل” ستضطر راغمة على تقديم الضرر الأصغر للتخلص من الضرر الأكبر.

الوسوم

التعليقات

إغلاق
إغلاق